محمود سالم محمد

175

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ويبدون حنينهم لبيت اللّه على الأرض ولمثوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قطب الأقطاب وسيد الخليقة ، الذي يحجّون إليه بأرواحهم ، ولأنها أضحت رموزا من رموزهم الكثيرة التي يعبّرون بها عن طريقتهم ، لذلك نجد شعر ابن الفارض مثلا يفيض بأسماء الأماكن الحجازية مثل قوله في قصيدته التي حمّلها سلامه وتحياته إلى مرابع الحجاز ، يتشوق إليها متمنيا أن تهبّ عليه نسمة منها ، أو أن يصل إلى جرعة من مائها : هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم * أم بارق لاح في الزّوراء فالعلم أرواح نعمان هلّا نسمة سحرا * وماء وجرة هلّا نهلة بفم يا سائق الظّعن يطوي البيد معتسفا * طيّ السّجلّ بذات الشّيح من إضم ناشدتك اللّه إن جزت العقيق ضحى * فاقر السّلام عليهم غير محتشم « 1 » والملاحظ أن ابن الفارض يحشد أسماء الأماكن الحجازية في شعره ، وربما لم يفته اسم مكان منها ، وقد تابعه الشعراء في الإكثار من ذكر أسماء المعاهد الحجازية ، وخاصة شعراء المديح النبوي . وقد مزج ابن الفارض وغيره من المتصوفة ذكر الأماكن المقدسة في الغزل الرمزي مثلما يمزج الشعراء ذكر الديار والوقوف على الأطلال بغزلهم وشوقهم إلى محبوباتهم ، وكما يكون ذكر الديار عند الشعراء مدخلا إلى الغزل وتذكر المحبوبة وعرض مشاعرهم نحوها وحنينهم إليها يكون ذكر المقدسات عند المتصوفة مدخلا للغزل الرمزي ، وبث لواعج الوجد ، وإظهار مشاعر المحبة الإلهية ، مثل قول العفيف التلمساني « 2 » :

--> ( 1 ) ديوان ابن الفارض : ص 67 . ( 2 ) العفيف التلمساني : سليمان بن علي بن عبد اللّه ، شاعر سكن دمشق وباشر بعض الأعمال فيها ، وكان يتصوف على طريقة ابن عربي في أقواله وأفعاله ، ألّف عدة كتب منها شرح الفصوص لابن عربي وله ديوان شعر . توفي سنة ( 690 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 412 .